فخر الدين الرازي
96
تفسير الرازي
كشف الحرب عن ساقها على المجاز . وقرئ ( تكشف ) بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف ، ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا . قوله تعالى : * ( ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) * . اعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً ، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا ، ثم إنه تعالى حال ما يدعوهم إلى السجود يسلب عنهم القدرة على السجود ، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه ، حين دعوا إلى السجود وهم سالموا الأطراف والمفاصل . قال الجبائي : لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك على أنهم في الدنيا كانوا يستطيعون ، فبطل بهذا قول من قال : الكافر لا قدرة له على الإيمان ، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود الإيمان والجواب : عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع بين المتنافيين محال ، فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي . أما قوله : * ( خاشعة أبصارهم ) * فهو حال من قوله : * ( لا يستطيعون . . . ترهقهم ذلة ) * يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم مثل العبد الذي أعرض عنه مولاه ، فإنه يكون ذليلاً فيما بين الناس ، وقوله : * ( وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) * يعني حين كانوا يدعون إلى الصلوات بالأذان والإقامة وكانوا سالمين قادرين على الصلاة ، وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة في الجماعة . * ( فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَ اذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف فخوفهم بما عنده ، وفي قدرته من القهر ، فقال : ذرني وإياه ، يريد كله إليَّ ، فإني أكفيكه ، كأنه يقول : يا محمد حسبك انتقاماً منه أن تكل أمره إلي ، وتخلي بيني بينه ، فإني عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك ، ثم قال : * ( سنستدرجهم ) * يقال : استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة ، حتى يورطه فيه . وقوله : * ( من حيث لا يعلمون ) * قال أبو روق : * ( سنستدرجهم ) * أي كلما أذنبوا ذنباً جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار ، فالإستدراج إنما حصل في الاغتناء الذي لا يشعرون أنه استدراج ، وهو الإنعام